السيد كمال الحيدري

251

أصول التفسير والتأويل

الحكم بأنّه تعالى يبعثهم بعد أن صاروا تراباً ، ولو تأمّلوا لصار المتشابه عندهم محكماً ، لأنّ من قدر على الإنشاء أوّلًا قدر على الإعادة ثانياً . وفيه : إنّه إن كان المراد من كون الدليل واضحاً لائحاً أو محتاجاً إلى التأمّل والتدبّر ، كون مضمون الآية ذا دليل عقلىّ قريب من البداهة أو بديهىّ وعدم كونه كذلك ، كان لازمه كون آيات الأحكام والفرائض ونحوها من المتشابه ، لفقدانها الدليل العقلي اللائح الواضح ، وحينئذ يكون اتّباعها مذموماً مع أنّها واجبة الاتّباع . وإن كان المراد به كونه ذا دليل واضح لائح من نفس الكتاب وعدم كونه كذلك ، فجميع الآيات من هذه الجهة على وتيرة واحدة . كيف لا ، وهو كتاب متشابه مثاني ونور ومبين ، ولازمه كون الجميع محكماً وارتفاع المتشابه المقابل له من الكتاب ، وهو خلف الفرض وخلاف النصّ . القول السادس : إنّ كلّ ما أمكن تحصيل العلم به سواء كان ذلك بدليل جلىّ أو بدليل خفىّ فذاك هو المحكم ، وكلّ ما لا سبيل إلى معرفته فذاك هو المتشابه ، وذلك كالعلم بوقت قيام الساعة والعلم بمقادير الثواب والعقاب في حقّ المكلّفين ، ونظيره قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها ( الأعراف : 187 ) . وفيه : إنّ الإحكام والتشابه وصفان لآية الكتاب من حيث إنّها آية دالّة على معرفة من المعارف الإلهية ، والذي تدلّ عليه آية من آيات الكتاب ليس بعادم السبيل ولا بممتنع الفهم ، إمّا بنفسه أو بضميمة غيره . وكيف يمكن أن يكون هناك أمر مراد من لفظ الآية ولا يمكن نيله من جهة اللفظ ؟ مع أنّه وصف كتابه بأنّه هدى ، وأنّه نور ، وأنّه مبين ، وأنّه في معرض فهم الكافرين فضلًا عن المؤمنين حيث قال : تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ